أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
310
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أظهرها : أنه المصدر المؤول من « أن » وما في حيّزها ، والمفعول محذوف ، والتقدير : أو لم يهد ، أي : يبين ويوضح للوارثين مآلهم وعاقبة أمرهم إصابتنا إيّاهم بذنوبهم لو شئنا ذلك ، فقد سبكنا المصدر من « أن » ، ومن جواب « لَوْ » : الثاني : أن الفاعل هو ضمير اللّه تعالى ، أي : أو لم يبيّن اللّه ، ويؤيده قراءة من قرأ « نهد » بالنون . الثالث : أنه ضمير عائد على ما يفهم من سياق الكلام ، أي : أو لم يهد ما جرى للأمم السابقة ، كقولهم : « إذا كان غدا فأتني » ، أي : إذا كان ما بيني وبينك ، مما دل عليه السياق ، وعلى هذين الوجهين ف « أَنْ » . وما في حيّزها بتأويل مصدر - كما تقدم - في محل المفعول ، والتقدير : أو لم يبيّن ويوضّح اللّه ، أو ما جرى للأمم إصابتنا إيّاهم بذنوبهم لو شئنا ذلك . وقرأ مجاهد « نهد » بنون العظمة ، و « أَنْ » مفعول فقط ، و « أَنْ » هي المخففة من الثقيلة ، و « لَوْ » فاصلة بينها وبين الفعل ، وقد تقدم أن الفصل بها قليل . و « نَشاءُ » وإن كان مضارعا لفظا ، فهو ماض معنى ، لأن « لَوْ » الامتناعية تخلص المضارع للمضي ، وفي كلام ابن الأنباري خلافه ، فإنه قال في « وَنَطْبَعُ » : « هذا فعل مستأنف ومنقطع مما قبله ، لأن قوله : « أَصَبْناهُمْ » ماض ، و « نَطْبَعُ » مستقبل ، ثم قال : « ويجوز أن يكون معطوفا على « أصبنا » إذا كان بمعنى نصيب والمعنى : لو نشاء نصيبهم ونطبع ، فوضع الماضي موضع المستقبل ، عند وضوح معنى الاستقبال ، كقوله تعالى : إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ أي : يجعل ، بدليل قوله : « وَيَجْعَلْ لَكَ » . قلت : فهذا ظاهر قوي في أن « لَوْ » هذه لا تخلص المضارع للمضي ، وتنظيره بالآية الأخرى معقول أيضا ، سيأتي تحقيق ذلك عند قوله : « وَنَطْبَعُ » . وقال الفراء : « وجاز أن تردّ يفعل على فعل في جواب « لَوْ » ، كقوله : « وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ » . قوله : فَنَذَرُ مردود على « لَقُضِيَ » . قلت : وهذا هو قول الجمهور ، ومفعول « نَشاءُ » محذوف ، لدلالة جواب « لَوْ » عليه ، والتقدير : لو نشاء تعذيبهم أو الانتقام منهم ، وأتى جوابها بغير لام وإن كان مثبتا على أحد الجائزين - وإن كان الأكثر خلافه - كقوله تعالى : لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً « 1 » . قوله : « وَنَطْبَعُ » في هذه الجملة أوجه : أحدها : أنها نسق على « أَصَبْناهُمْ » وجاز عطف المضارع على الماضي ، لأنه بمعناه ، وقد تقدم أن « لَوْ » تخلص المضارع للمضي . ولما حكى الشيخ كلام ابن الأنباري المتقدم قال : « فجعل لو » شرطية بمعنى « إن » ، ولم يجعلها التي هي لما كان سيقع لوقوع غيره ، ولذلك جعل « أصبنا » بمعنى نصيب . ومثال وقوع « لَوْ » بمعنى « إن » قوله : 2269 - لا يلفك الرّاجيك إلّا مظهرا * خلق الكرام ، ولو تكون عديما « 2 » وهذا الذي قاله ابن الأنباري ردّه الزمخشريّ من حيث المعنى ، لكن بتقدير أن يكون « وَنَطْبَعُ » بمعنى طبعنا ، فيكون قد عطف المضارع على الماضي ، لكونه بمعنى الماضي . وابن الأنباري جعل التأويل في « أصبنا » الذي هو جواب « لَوْ نَشاءُ » فجعله بمعنى نصيب ، فتأول المعطوف عليه ، وهو الجواب وردّه إلى المستقبل ، والزمخشري تأول
--> ( 1 ) سورة الواقعة ، آية ( 70 ) . ( 2 ) تقدم .